مقدمة عامة
1- تقديم:
لا يمكن الحديث عن تاريخ الجنوب بمعزل عن تاريخ المغرب، و ذلك لكون منطقة وادي نون عرفت أحداثا تاريخية و سياسية مهمة جدا، كالاحتلال الفرنسي، لكنها لم تحضى بنصيب وافر من الدراسة و البحث من لدن المؤرخين الرسميين، الذين اهتموا بتاريخ منطقة معينة دون أخرى، لدى تأتي دراستنا هذه كدراسة أولية و من أجل كشف و نثر الغبار عن تاريخ هذه المنطقة، نظرا للتهميش و الإهمال الذي تعاني منه من كل الجوانب.
و لصعوبة الإحاطة بجميع الأحداث و الجوانب التاريخية التي عرفتها منطقة وادي نون في مجال جغرافي واسع، اخترنا قبيلة ”أيت احماد“ نموذجا للدراسة، من منطلق ذاتي. إن الغرض في هذا هو الكشف عن جوانب هامة من تاريخ هذه القبيلة، لكون هذه الأخيرة عرفت أحداثا تاريخية مهمة، مما استأثر باهتمام بعض الباحثين[1].
و يأتي اختيارنا كذلك لهذا البحث ”جوانب من تاريخ قبيلة أيت لحماد بوادي نون“ كعنوان لبحثنا جاء ليجيب عن أسئلة تستحق أن تقام عليها دراسات ميدانية و نظرية، و قد اقتصرت على سؤالين:
الأول: هو ما يتعلق بالتهميش و الإهمال الذي تعاني منه المنطقة.
الثاني: إلقاء الضوء على جوانب من تاريخها كتنظيم الحياة بين السكان و التي تجسدت في الأحكام و القوانين العرفية كإحدى المظاهر المحددة لمعالم تاريخها، إضافة إلى الحياة الاقتصادية و الثقافية.
أ- تحديد إطار البحث:
إن موقع وادي نون عند السفح الجنوبي للأطلس الصغير الغربي و اتصاله بالمحيط الأطلسي يجعلان منه مجال انتقالي بين المغرب المتوسطي و المغرب الصحراوي، لذلك عرفت المنطقة استقرارا بشريا منذ القديم و تعايشت في المنطقة أجناس مختلفة كما شهدت ازدهارا اقتصاديا من خلال أنشطة متنوعة ( الرعي والزراعة و التجارة و العطارة و التعدين ...)، مما أهل المنطقة للعب أدوار مهمة عبر تاريخ المغرب ماضيا و حاضرا و فضلا عن دوره التجاري الناتج عن التحكم في الطرق التجارية للصحراء فإنه يعتبر مجال عبور بشري و تواصل و تفاعل بين الشمال و الجنوب و فضاء لتجاوز اثنيات و لغات و ثقافات محلية و وافدة.
ومجال وادي نون هو المنطقة الممتدة خلف الأطلس الصغير و بها يمر وادي نون الذي يحمل اسمها، و ينبع من الجبال الواقعة خلف قرية الايدالية (تايدالت) و يصب في المحيط الأطلسي حسب رواية أغلب المصادر الكلاسيكية لتاريخ بلاد المغرب الأقصى.
” و نول لمطة من بلاد السوس الأقصى بالمغرب بينها و بين وادي السوس الأقصى ثلاث مراحل و منها إلى البحر ثلاثة أيام و بينها و بين سجلماسة ثلاثة عشر مرحلة و فيها جزولة و لمطة و مدينة نول إحدى مدن الإسلام وهي مدينة في أول الصحراء على نهر كبير يصب في البحر المحيط... “[2].
ب- الصعوبات:
و قد واجهنا صعوبات جمة تمثلت بالأساس في ندرة المادة التاريخية خاصة الدراسات الكليانية و حتى الرسمية، حيث يأتي ذكر المنطقة عرضا في دراسة مواضيع و مناطق أخرى، و هذا ما جعلني أتوجه إلى الرواية الشفوية بشكل كبير... هذه الأخيرة بدورها تشوبها العديد من الشوائب: مثلا صعوبة تفريق الرواة مابين زمن الحدث و زمن سماعه، مما يجعلهم يقومون بخلط كبير بين الأحداث التاريخية لها، إضافة إلى الامتناع عن الإدلاء بالمعلومات و عدم إعطائنا الوثائق خوفا على ممتلكاتهم، إضافة إلى قلتها و عدم وضوحها من حيث الخط الردئ و الأسلوب الركيك و تلف بعض أجزائها، و كذلك إلى قلة المراجع و المصادر التي تناولت المنطقة بشكل أساسي، باستثناء بعض البحوث، لكن هذا لا يمنعني من إنجاز بحث في هذا المجال نظرا لتحمسي لكشف معالم و أصل قبيلة أيت احماد.
مدخل:
- الخصائص الطبيعية:
· الموقع:
يقع موطن قبيلة أيت لحماد في الجنوب-الغربي المغربي ضمن التشكيلة القبلية لحوض وادي نون، وتحتل القسم الشرقي فيه، والذي يمتد على مساحة 7000 كلم2، تحده مؤخرة جبال الأطلس الصغير في الشمال والشرق، و واد درعة في الجنوب و المحيط الأطلسي في الغرب،وتحدها جبال باني في الشرق، والأطلس الصغير في الشمال، و بقبائل أيت باعمران في الغرب، كما يقتسم الحماديون الحدود مع مجموعة من القبائل: قبيلة لخصاص على الحدود الشمالية، وقبيلة أيت براهيم في الشمال الشرقي، وقبائل أيت النص على الحدود الشرقية والجنوبية الشرقية، وتقع قبيلة أزوافيظ على الحدود الجنوبية، وتمتد قبيلة أيت موسى أوعلي على الحدود الجنوبية الغربية.
· التضاريس:
بعد التطلع إلى الخريطة الطبوغرافيا و التي تمثل المنطقة نلاحظ أنها تتميز بتشكيل تضاريسي متنوع يعرف سيادة وحدتين تضاريسيتين: الأولى مرتفعة تمثلها الجبال كجبل تايرت وجبل بانـي، والثانية منخفضة تمثلها المعادير كسهل (توفليت) و معدر (تنضافت)، ووجود كذلك هضاب كلسية تشكل امتداد للأطلس الصغير الجنوبي، وتشمل هذه الهضاب نصف الجزء الشمالي للمنطقة لتشكل منطقة اتصال بين السهول الصحراوية و مؤخرة الأطلس الصغير الجنوبي، ووجود بعض التلال كتاوريرت ندحماد في جهة الجنوب.
· المناخ :
لأن موقع القبيلة مشرف على المناطق الصحراوية والبعيد عن المحيط، مما يجعلها تعرف مناخ جاف
تغلب عليه المؤثرات الصحراوية و بالتالي صعوبة الاستغلال الزراعي، وهكذا يتأثر المناخ بمؤثرين
متعارضين: المؤثرات المحيطية الأطلسية والمؤثرات الصحراوية الجافة.
· الحرارة :
تعرف المنطقة حرارة مرتفعة طوال السنة مع تذبذبات حسب الفصول، ذلك أن أعلى الحرارات تسجل بالصيف ما بين يوليوز وغشت (36 درجة كمعدل يومي)، في حين تبقى عشر درجات أدنى معدل حراري يسجل خلال يناير وفبراير، يضل ارتفاع درجة الحرارة هو السمة الغالبة مع تباين الليل والنهار خصوصا في فصل الصيف حيث الحرارة مفرطة بالنهار مع انخفاض مهم بالليل، أما في فصل الشتاء فالحرارة تبقى بالنهار متوسطة في حين يعرف الليل برودة شديدة.
· التساقطات:
تختلف كمية التساقطات حسب السنوات، فالمعدل السنوي للأمطار مابين 1925 و 1949 بلغ 116ملم وما بين 1960 و 1980بلغ 80ملم فقط، و يتضح من هنا أن التساقطات لا تعرف الانتظام كما أنها مرتكزة و ضئيلة لا تضمن نجاح الزراعات التقليدية، ونجد الفترة الممطرة تقتصر على شهري يناير وفبراير بمعدل 24 يوم مطير في حين أن الفترة الجافة تتراوح مابين5 إلى 8 أشهر في السنة، أما نوعية الأمطار فهي تتخذ شكل زخات عنيفة تدوم لمدة قصيرة لا تتعدى 4إلى 5 ساعات، أدى تفاوت الأمطار من سنة إلى أخرى إلى إضفاء طابع الجفاف على المنطقة وجعل الاستغلال الزراعي غير مضمون، الشيء الذي دفع مجموعة من السكان إلى الهجرة سواء إلى الخارج أو نحو بعض المدن المغربية .
· الرياح :
تصل المنطقة بعض الرياح الرطبة الآتية من الغرب، كما تسود رياح الشرگي الجافة (ويمينگ)
بشكل كبير، والتي تأتي من الشرق عبر فجاج جبل باني خاصة مع نهاية شهر فبراير وتستمر ما بين
شهري مارس و ماي.
· الشبكة المائية:
تعتبر المياه فيضانات الأودية في المواسم المطيرة و مياه الفرشات الباطنية، أهم مصدرين للمياه:
الأول مياه الأودية و الثاني المياه الباطنية، إن ندرة الماء تعتبر من المشاكل الأساسية التي تعاني منها،
ذلك أن ضمان استقرار السكان لا يمكن أن توفره الزراعات التقليدية و التي لا تتجاوز مساحات ضيقة.
تغلب عليها الأراضي البورية و الفضية، في حين تمتد المراعي و الأراضي الغير الصالحة للزراعة على
مساحات شاسعة.
· الغطاء النباتي :
عرف الغطاء النباتي تحولات مهمة كان لها أثر كبير على البيئة تمثلت في فقدان غابات مهمة بالمنطقة، لأن انفتاحها على المناخ الصحراوي الجاف و ما يسببه من ضعف الموارد المائية و فقر التربة جعل المظاهر النباتية تقل باستمرار، و تتركز أساسا في الأماكن حيث إمكانية نموها ممكنة، و نجدها على ضفاف الأودية و حول العيون و الآبار، ومن أهمها أشجار النخيل و الزياتين و التي تنتشر بشكل خاص بفاصك و تاوريرت مشكلة واحات مهمة، كما اهتم السكان بزراعة بعض المغروسات و بعض الأشجار المتنوعة، كما تراجع شجر الأرگان بشكل كبير، لأن المنطقة كانت تعرف انتشاره بشكل كبير خاصة في المناطق الجبلية، ثم تقلص بسبب تدخل الإنسان الذي استغله في صنع الفحم. في القديم كانت المنطقة عبارة عن غابات كثيفة و اليوم لا يوجد لا بعض الأعشاب كدغموس على سفوح الجبال (باني)، و بعض الأحراش كالصبار، و بعض الأشجار الشوكية و خصوصا في قعو الأودية (واد صياد- واد بوغزروا) أهمها: الدفلة(آليلي) و السدرة(أزگار).-
الفصل الأول:
لقد طرح مفهوم القبيلة إشكالية عويصة لأغلب الدراسات الاجتماعية التي أنجزت حول المجتمع المغربي، وقد طرحت القبيلة كعائق واقعي وموضوعي أثناء محاولة التسرب الفرنسي والإسباني للبلاد، فيما اصطلح عليه( بالتهدئة) الشيء الذي استدعى الاهتمام بمعرفتها معرفة عميقة، والتفكير في فهم المجال وتنظيمه من أجل احتلاله، لقد كانت هذه الدعوة الاستعمارية لليوطي حافزا لبحوث ميدانية ونظرية خصبة وعديدة حول القبائل المغربية وتنظيمها وعلاقتها فيما بينها وبالمخزن، ومعرفة مواطن القوة والضعف فيها والوقوف على مكانيزمات ديناميكيتها، وتحالفها وصراعاتها، فما هو تعريف القبيلة؟ وماهي مميزاتها وخصائصها ؟
قدم إدموند دوتي مؤلفا من 438 صفحة في إطار الأبحاث الإثنوغرافية الاستكشافية، تحت عنوان” في القبيلة“ ((En tribu ، وهو ذو أهمية بالغة إذا قيس بغزارة مواضيعه المتشعبة فهو يتناول الجوانب البيولوجية للأصل القبلي، والمحيط الجغرافي والحياة الاجتماعية داخل القبيلة، والأساطير المتداولة والطقوس الدينية والتنظيمات السياسية.
وقد كانت هذه التقارير التي أنجزها دوتي حول مختلف مظاهر الحياة القبلية قاعدة أساسية اعتمدت عليها الحماية، يقول مارسيل ماوس: « إن التقارير التي كتبها دولتي لحكومة الجزائر ولوزارة الشؤون الخارجية حول المغرب، كانت قد شكلت القاعدة الأساسية التي اعتمدت عليها الجمهورية في عملية الحماية، إن دوتي هو الذي أسس التقليد الذي ارتبط به المارشال ليوطي والذي طبقه السيد ستيك »[3] .
أما جورج بلاندييه g.balandier فيرى القبيلة مجتمعا تقليديا مجرد آلة سلطة « إذ لا مجتمع بدون سلطة سياسية ولا سلطة بدون مراتب متفاوتة... »[4] . القبيلة إذن بنية مستديمة قائمة على علاقات مابين القبائل، تخضع لمؤسسات لامركزية خاصة وتنتج أيديولوجيتها الخاصة وتلتزم بها، وتؤطر كل مظاهر حياتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية، إنها مجموع الممارسات والعلاقات الناتجة عن البنية التحتية الزراعية في علاقتها بالبناء الفوقي النسبي السياسي الحربي، « إذن القبيلة الواقع التاريخي المكون من علاقة ازدواجية: علاقة الإنسان بالطبيعة (الأرض) وعلاقة الناس فيما بينهم، أما القبيلة فهي الشكل التاريخي العابر الذي تستجيب به الجماعة القروية لمتطلبات تاريخها الذري المحلي وهو تاريخ بداوة وقبلية»[5]، كما يعترف بذلك ابن خلدون الذي يصف إفريقيا والمغرب قائلا : « إن هذه الأقطار كانت للبربر منذ آلاف السنين قبل الإسلام وكان عمرانها كله بدويا ولم تستمر فيهم الحضارة حتى تستكمل أحوالها والدول التي ملكتهم من الإفرنجة والعرب لم يطل أمد ملكهم فيهم، حتى تترسخ الحضارة منها فلم تزل عوائد البداوة وشؤونها، فكانوا إليها أقرب فلم تكثر مبانيهم، وأيضا فالمصانع بعيدة عن البربر لأنهم أعرق من البدو فهم أهل عصبيات وأنساب لا يخلوا عن ذلك جمع منهم والأنساب والعصبية أجنح إلى البدو. فلذلك كان عمران إفريقيا والمغرب كله أو أكثره بدويا أهل خيام وظواعن وقباطن وكنف في الجبال... ».[6]
كما يعترف روبير مونطاني بصعوبة تحديد مفهوم القبيلة ،وبالرغم من هدا الاعتراف فانها في تصوره: « مجموعة من المناطق (المواضع) يتراوح عددها مابين ثلاثة وإثنى عشر، وتملك بقعة محددة وإسما خاصا وبعض العادات الجماعية المشتركة وتفتقر في الوقت نفسه إلى كل مؤسسة سياسية مضبوطة ودقيقةٌ »، غيـر أن المفهوم المستعمل عادة في جنوب المغرب( سوس) هو حسب روبير مونطاني تاقبيلت، وهي جزئية تستمد كيانها وماهيتها من وحدة الرقعة الجغرافية التي